الأطروحة
أمضى التعاون الاقتصادي الإسلامي عقوداً في بناء بنية تحتية مالية — مصارف إسلامية وأسواق صكوك وأُطر التكافل. يمثّل المنتدى الإقليمي للاستثمار الصحي 2026 في نواكشوط إشارةً صريحة إلى أن منظمة التعاون الإسلامي تطبّق الآن المنطق ذاته على القطاع الدوائي. لا تُطرح هنا مسألة ما إذا كانت الدول ذات الغالبية المسلمة بحاجة إلى سلسلة إمداد دوائي سيادية؛ فالحاجة واضحة. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان منتدى يومين قادراً على تحويل هذا الطموح إلى رأس مال مُوظَّف فعلياً.
ما جرى في نواكشوط
في 13 و14 يوليو، التقى أكثر من 700 مشارك — وزراء ومستثمرون وصناعيون وممثلو مؤسسات مالية وخبراء أنظمة صحية — في قصر المؤتمرات مختار ولد داداه بالعاصمة الموريتانية. نظّم الحدثَ المركزُ الإسلامي لتنمية التجارة (ICDT)، الذراع التجارية لمنظمة التعاون الإسلامي، بشراكة مع وزارة الصحة الموريتانية ووكالة تعزيز الاستثمار (APIM)، بمشاركة منظمة الصحة العالمية بوصفها مُنظِّماً مشتركاً.
جاء الموضوع متعمَّداً: «تعزيز التجارة والاستثمار داخل منظمة التعاون الإسلامي في القطاع الدوائي: من الاستراتيجية إلى العمل.» هذه العبارة — «من الاستراتيجية إلى العمل» — تحمل ثقلاً حقيقياً؛ إذ تُقرّ بأن منظمة التعاون الإسلامي أنتجت استراتيجيات من قبل. كانت التوقعات من هذا المنتدى أن يجتمع مطوّرو المشاريع والمستثمرون في غرفة واحدة، في غرف صفقات منظَّمة، لإبرام اتفاقيات ملموسة.
كان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية د. تيدروس أدهانوم غيبريسوس من بين المشاركين المرتقَبين. حضر وزير الصحة الصومالي. وأرسلت تونس وفداً. تعكس خريطة المشاركين طموح المنتدى: ليس حدثاً غرب أفريقياً، بل تعبئة على نطاق منظمة التعاون الإسلامي تتمحور حول التصنيع الدوائي الأفريقي.
الموقع الاستراتيجي لموريتانيا
ما يجعل نواكشوط مكاناً محتملاً لهذا الحوار هو بالضبط أن موريتانيا ليست مُصدِّرة دوائية. إنها نموذج اختبار لما يحدث حين تسعى دولة ذات طاقة صناعية محدودة لكن بإرادة سياسية حقيقية للاندماج في سلاسل الإمداد الصحي لمنظمة التعاون الإسلامي.
خلال المنتدى، انضمت الفيدرالية الوطنية للصحة في موريتانيا (FNSM) رسمياً إلى FOASPS، الفيدرالية الغرب أفريقية لأعضاء القطاع الصحي الخاص. الأهمية ليست شكلية؛ إذ يمنح الانضمام المشغِّلين الصحيين الخاصين في موريتانيا شبكةً إقليمية ونفوذاً في المشتريات ومقعداً في نقاشات كانت تستبعد الأسواق الأصغر حجماً.
يدل دور APIM بوصفها مُنظِّمة مشتركة على جدية حكومية. حين تُشارك وكالة ترويج الاستثمار في تنظيم منتدى للصفقات، يكون ذلك في الغالب لأنها تحتاج إلى إظهار نقطة دخول فعّالة للمستثمرين — تصاريح وحوافز وأراضٍ ومحاورين محددين.
الرياح المعاكسة
إشكالية الطموحات الدوائية لمنظمة التعاون الإسلامي قائمة منذ أمد بعيد. تستورد دول عديدة في المنظمة غالبية أدويتها الأساسية، وكثيراً ما يكون الموردون من خارج المنظمة. إن جمع 700 شخص للنقاش في هذا الشأن لا يغيّر ذلك بحد ذاته.
الالتزامات المُعلَنة في المنتديات الدولية كثيراً ما تُحوَّل بنسبة ضئيلة إلى مشاريع ممولة. قد تُفضي غرف الصفقات وجلسات B2B في نواكشوط إلى توقيع خطابات نوايا دون رأس مال حقيقي وراءها. في غياب آليات متابعة محددة — التزامات استثمارية بأرقام واضحة، أو خطوات تنسيق تنظيمي، أو جداول زمنية لإنشاء وحدات تصنيع — يظل أثر الحدث الفعلي غير محدد.
يفتقر انضمام FNSM إلى FOASPS بدوره إلى أي التزام مالي أو هيكلي مُعلَن. الانضمام إلى فيدرالية هو الخطوة الأولى فحسب.
ما يجب مراقبته
راقب ما إذا كانت غرف الصفقات في نواكشوط ستُنتج إعلانات استثمارية بمبالغ وجداول زمنية، لا مجرد أطر تعاون. راقب المتابعة من جانب ICDT؛ إذ ينشر تقارير تجارية سنوية للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وما إذا كان التصنيع الدوائي سيظهر كمؤشر مُتابَع سيكون مقياساً لعمق المتابعة المؤسسية. وراقب APIM الموريتانية: إن تجسّدت استثمارات أجنبية مباشرة في القطاع الصحي خلال 12 إلى 18 شهراً، سيكون منتدى نواكشوط قد تجاوز مرحلة التجمعات.
السؤال الأعمق يبقى مفتوحاً: هل يستطيع التعاون الإسلامي أن يُعيد إنتاج في قطاع الصحة ما بناه في قطاع المالية — ليس مؤسسات فحسب، بل نظاماً بيئياً ذاتي التعزيز؟ استغرق ذلك 50 عاماً في القطاع المصرفي. فهل تمتلك منظمة التعاون الإسلامي الإرادة لتقليص هذا الأفق الزمني في القطاع الدوائي؟
