التاجرُ الصَّدُوقُ الأمينُ مع النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ — Tirmidhi 1209

أول صكوك خاصة في ليبيا: ما الذي تكشفه مبادرة بنغازي فعلاً

بنغازي تُطلق أول حزمة صكوك استثمارية للقطاع الخاص في ليبيا بأكثر من مليار دينار. الإطار وحده لا يصنع سوقاً للسندات — لكن هذا هو المكان الذي تبدأ فيه.

أفق مدينة أفريقية بناطحات سحاب حديثة تحت سماء غائمة

الأطروحة

ظلّ النظام المالي الليبي يعمل لأكثر من عقد على عائدات النفط والارتجال. في 25 يوليو، جرى شيء مختلف في بنغازي: اجتمعت غرفة التجارة وسوق الأوراق المالية الليبي وهيئة سوق الأوراق المالية لإطلاق ورشة عمل رسمية، وأعلنت عن أول حزمة صكوك استثمارية للقطاع الخاص في ليبيا، بشريحة أولى تتجاوز مليار دينار ليبي (ما يعادل نحو 150 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي). هذا ليس صفقة بعد، بل إطار عمل. غير أن التاريخ التمويلي يبدأ دائماً بإطار.

مسيرة طويلة

الطموحات الليبية في مجال التمويل الإسلامي تسبق هذا الأسبوع بنحو عام كامل. في أغسطس 2025، استضاف محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار (LAIP) طاولة مستديرة في طرابلس للبحث في تمويل مشاريع التنمية عبر الصكوك، بمشاركة هيئة أسواق المال والبنك الإسلامي للتنمية وصندوق التضامن الاجتماعي. اتفق المجتمعون على تشكيل فريق عمل متخصص. كما نظّم سوق الأوراق المالية الليبي والمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص (ICD) ورشة عمل افتراضية حول الصكوك المقومة بالعملة المحلية. ثم خبت الجهود.

ورشة بنغازي — الموسومة بـ“الشريحة الأولى من صكوك الاستثمار: الانطلاق والتميز والاستدامة” — هي المرة الأولى التي يُوضع فيها منتج ملموس على الطاولة، بشراكة تشغيلية مع شركة أموال للوساطة المالية. الانتقال من الطاولات المستديرة إلى منتج محدد بالاسم أمر ذو دلالة.

لماذا الصكوك، ولماذا الآن

اختيار الأداة لم يكن عشوائياً. النظام المصرفي الليبي إسلامي في ممارسته في مجمله، إذ يظل الإقراض بفائدة مقيداً بموجب القانون الليبي؛ لذا فإن الصكوك ليست تكيفاً مع الواقع بل هي أداة التمويل الطبيعية. لم تكن المسألة قط هل ستلجأ ليبيا إلى الصكوك، بل هل ستُبنى البنية المؤسسية اللازمة لإصدارها وتداولها.

هذه البنية باتت تُشيَّد في بنغازي، مقر الحكومة المتحالفة مع الشرق. مشاركة هيئة سوق الأوراق المالية الليبي بوصفها جزءاً من البنية التحتية للإصدار هي أبرز الإشارات المؤسسية: توحي بأن التداول في السوق الثانوية جزء من التصميم لا إضافة لاحقة. وتضطلع شركة أموال للوساطة المالية بتوزيع الصكوك.

الرياح المعاكسة

العقبات الهيكلية حقيقية ولا ينبغي التغافل عنها. خُفِّضت قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7% في يناير 2026، وضخّ مصرف ليبيا المركزي 6 مليارات دولار في يونيو لتثبيت سعر الصرف في مواجهة ضغوط السوق الموازية. لكي تستقطب الصكوك رؤوس أموال خاصة جدية، يحتاج المستثمرون إلى الثقة في الأصول الأساسية وفي إمكانية تطبيق الإطار القانوني، وهو ما يظل موضع جدل في ظل الانقسام الحوكمي الليبي.

يُلمح جدول أعمال الورشة — الذي يتضمن مراجعة الجوانب “القانونية والشرعية والفنية والتنموية” — إلى أن هذه المسائل لا تزال قيد البحث. يواجه بلد تحتفظ فيه حكومتان متنافستان بوظائف مصرف مركزي منفصلة تحدياً جوهرياً: مستثمرو الصكوك، كسائر حاملي السندات، يحتاجون إلى طرف مقابل موثوق.

ما يجب مراقبته

الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت صكوك ستُصدر فعلاً، وما إذا كان التداول الثانوي سيبدأ. ورشة العمل، مهما بلغ تنظيمها، ليست سوقاً للرساميل. أعلنت ليبيا مبادرات للتمويل الإسلامي في السابق؛ ما يُميّز هذه المبادرة هو انخراط هيئة سوق الأوراق المالية الليبي مباشرةً وحدود مليار دينار كأرضية للشريحة الأولى. وإن اكتملت هذه الشريحة وأصبحت قابلة للتداول، فستكون محطة تاريخية في مسيرة أسواق رأس المال الليبية.

أما السؤال الأوسع فهو: هل يمكن أن يصبح سوق صكوك فاعل في شرق ليبيا نموذجاً للإعمار الاقتصادي ما بعد النزاع في مناطق أخرى؟ وهل ستتفاعل مؤسسات التمويل الإسلامي الدولية، التي ظلت بعيدة إلى حد بعيد عن مسار انتعاش ليبيا، بصورة أكثر انخراطاً في المرحلة المقبلة؟