الأطروحة
تضم أفريقيا نحو 19% من سكان العالم، وتولّد أقل من 1% من أقساط التأمين العالمية. لا يتعلق الأمر هنا بمجرد مؤشر تنموي، بل بتكلفة مباشرة: تدفع الشركات الأفريقية ما بين 3 و4 نقاط مئوية إضافية مقارنةً بنظيراتها في أسواق أخرى للحصول على التمويل، لأن المخاطر غير المسعّرة تنعكس على كامل المنظومة. في يوليو 2026، جمعت الاتحادية الأفريقية لشركات التأمين الوطنية (فاناف) قرابة 400 صانع قرار في كوتونو لاعتماد أول ميثاق أفريقي للإدماج التأميني. الهدف الإجمالي: المساهمة في مضاعفة معدل اختراق التأمين في فضاء فاناف بحلول 2040. غير أن الميثاق يحدد مشكلة لم يحلها بعد؛ إذ يكاد التكافل يغيب كلياً عن منطقة سيما، ولا يشير الإطار إلى كيفية معالجة هذه الثغرة.
الفجوة الهيكلية
في منطقة سيما — المؤلفة من 14 دولة أفريقية ناطقة بالفرنسية تشترك في إطار تنظيمي تأميني مشترك — يظل معدل اختراق التأمين دون 1% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يتجاوز المتوسط العالمي 6%.
وضع ديدييه أكوويتي، المستشار الخاص لرئيس البنك الأفريقي للتنمية، الحجة الاقتصادية في صميم مناقشات الجمعية العامة للتأمين للجميع، المنعقدة خلال الفترة من 6 إلى 8 يوليو 2026 في فندق سوفيتيل بكوتونو، بنين. أشار إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل 95% من القطاع الخاص الأفريقي، وأن ضعف تأمينها المزمن يرفع تكلفة رأس المال على الاقتصاد بأسره. إن العلاوة التمويلية التي يدفعها الفاعلون الأفارقة، والتي تبلغ 3 إلى 4 نقاط مئوية فوق ما يدفعه أصحاب المخاطر المماثلة في الأسواق الأخرى، تكشف عن الفجوة التأمينية بوصفها عائقاً هيكلياً أمام الاستثمار الخاص على المستوى القاري.
ما التزم به ميثاق كوتونو
أسفرت الجمعية العامة — التي نظمتها فاناف بمشاركة قرابة 400 ممثل من الحكومات والجهات التنظيمية وشركات التأمين والمؤسسات المالية وشركاء التنمية — عن مخرجين ملموسين: الميثاق الأفريقي للإدماج التأميني، إطار مرجعي لتحريك الفاعلين عبر القطاعات حول أهداف مشتركة؛ وخطة العمل الاستراتيجية 2026-2030، التي تحدد مجالات التدخل ذات الأولوية وآليات التنسيق وترتيبات متابعة الالتزامات.
الهدف الرئيسي: المساهمة في مضاعفة معدل اختراق التأمين في الفضاء الأفريقي المشمول بفاناف بحلول 2040.
أبدى أكوويتي قدراً من الحذر إزاء ما يمكن للميثاق أن يحققه وحده، مشيراً إلى أنه لن ينتج آثاره إلا إذا اقترن بحوار مُعزَّز مع الجهات التنظيمية وآلية متابعة فعلية. إذ لا يعني توقيع 14 جهة تنظيمية ذات إرادات سياسية متباينة ضمان التنفيذ.
الزاوية العمياء: التكافل في منطقة سيما
بالنسبة لمنطقة سيما، يتجلى قصور التأمين في إطار ثغرة أعمق لا تُذكر بما يكفي: التكافل — البديل الشرعي المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية — يكاد يغيب كلياً عن المنطقة.
أرست هيئة سيما إطاراً تنظيمياً للتكافل عبر اللائحة رقم 003، التي تتيح للدول الأعضاء تطوير قواعد التأمين الإسلامي. غير أن شركة التكافل لمالي للتأمين الإسلامي (TMAI) تبقى المشغّل الوحيد المتخصص بالكامل في التكافل داخل المنطقة، فيما توجد نوافذ تكافل في عدد محدود من شركات التأمين التقليدية في السنغال وكوت ديفوار. هذا هو النطاق الكامل للتغطية.
إن التقاطع بين ضعف اعتماد التأمين وارتفاع نسبة السكان المسلمين ليس مصادفةً. فمالي والسنغال والنيجر وبوركينا فاسو — وهي دول أعضاء في منطقة سيما ذات نسب مرتفعة من المسلمين — تُعدّ من أقل أسواق المنطقة تأميناً. على المستوى العالمي، يُقدَّر حجم سوق التكافل بـ 38-40 مليار دولار في 2026. يتصدر السودان الحصة الأفريقية، فيما تشهد نيجيريا وكينيا تطوراً في نماذج التكافل الصغير. أما منطقة سيما، التي تمتلك مسبقاً الإذن التنظيمي اللازم لاستيعاب مشغّلين متخصصين في التكافل بموجب اللائحة رقم 003، فلم تُحوّل هذا الإذن بعد إلى دينامية سوقية.
الرياح المعاكسة
الاقتصاديات الهيكلية للتكافل في أسواق منخفضة الاختراق عسيرة. صغر حجم قاعدة العملاء يرفع تكاليف الإدارة قياساً بالأقساط، مما يُثبّط شركات التأمين التقليدية عن فتح نوافذ تكافل، ويُعيق الفاعلين الجدد عن إنشاء كيانات متخصصة. أن تُواصل TMAI عملها في مالي لسنوات دون أن تُفجّر موجة منافسة إقليمية يُجلّي صعوبة جعل هذا القطاع مربحاً على المستوى الفردي، حتى مع وجود موافقة تنظيمية.
ينطبق حذر أكوويتي بشأن التنفيذ هنا أيضاً: إطار لا يُدرج التكافل صراحةً ضمن أهدافه ومؤشرات متابعته لن يُفيد القطاع تلقائياً. فالتأمين الشامل بوصفه مفهوماً قد يعني توسيع المنتجات التقليدية؛ وهو لا يعني بالضرورة تغطية شاملة للتكافل.
ما يجب مراقبته
ثمة إشارتان ستكشفان ما إذا كان هذا الميثاق سيصل فعلاً إلى الأسواق ذات الغالبية المسلمة في منطقة سيما. أولاً: أي دولة عضو ستكون التالية في تفعيل اللائحة رقم 003 بعد مالي؟ ظهور مشغّل ثانٍ متخصص في التكافل في أي مكان بالمنطقة سيؤكد أن TMAI لم تكن حالة استثنائية.
ثانياً: مضمون خطة العمل 2026-2030 حين تصبح متاحة. هل تتضمن مساراً خاصاً لتطوير التكافل، أم أن عبارة “التأمين الشامل” في لغة الميثاق تعني حصراً توسيع المنتجات التقليدية؟ هذه التفصيلة ستحدد ما إذا كانت كوتونو قد فتحت باباً حقيقياً للتأمين الإسلامي في أفريقيا الناطقة بالفرنسية — أم أن الباب كان مفتوحاً أصلاً، ولم يتجاوزه الميثاق.
